سبب عزل الأمير خالد بن عبدالله القسري

سبب عزل الأمير خالد بن عبدالله القسري البجلي

----------(*****)----------

يقول الطبري إنه في سنه 120 هـ قام هشام بن عبد الملك بعزل الأمير خالد بن عبدالله البجلي وولى بدلاً منه يوسف بن عمر الثقفي ، وقد اختلفت أقوال المراجع بشأن سبب عزل الأمير خالد البجلي ، فقيل بسبب عدم تقديره لأحد رجال قريش المقربين لهشام بن عبدالملك الأموي . وقيل بسبب غنى الأمير خالد الفاحش وثروته التي طمع بها هشام بن عبدالملك وحسده عليها . لأن خالداً كان غنياً ويملك عدة أنهر وكور (الكور جمع كورة ، والكورة منطقة تشمل عدة قرى) ، منها : نهر خالد ونهر باجوى ونهر بارمانا ونهر المبارك ونهر الجامع وكرة سابور والصلح وغيرهم ، وكان الأمير خالد عنيداً ولم يأخذ برأي الناصحين له بالتنازل لهشام عن جزء من ثروته وأملاكه لأرضاءه واتقاء شره وأذيته التي قد تصل للعزل والقتل .

وذكر الطبري بتاريخه أنه عندما زاحم هشام الأمير خالد على ثروته ؛ قال خالد يومها {ما تحت قدمى من شيئ إلا وهو لى} ؛ ويقصد الأمير خالد البجلي بقوله ؛ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد خصص لبجيلة ربع خمس سواد العراق عندما قرر أرسلهم لفتح العراق ؛ وأستمرت بجيلة تأخذ ربع خمس السواد لمدة ثلاث سنوات ؛ ثم توقف بعد أعتراض القبائل الأخرى التي شاركت بفتح العراق .

وبعض المراجع تقول ان سبب عزل الأمير خالد البجلي وشاية من الشاعر الكميت مفادها إن الأمير خالد يطمح ويخطط للوصول إلى الخلافة بدلاً من هشام بن عبدالملك ، وكان الكميت شيعياً ويسعي لثورة علوية تطيح بحكم هشام بن عبدالملك وبني أميه كلهم ، فسعي لتلك الوشايه بالأمير خالد البجلي للتخلص منه لصرامته وشدته في حكم العراق ؛ وكان الأمير خالد يمثل أحد أركان قوة حكم بني أميه في العراق وخراسان ، وعند التخلص من الأمير خالد سوف يؤدي ذلك إلى زعزعة تأييد القبائل اليمانية التي منها بجيلة لحكم بني أميه ، ومن ثمة يسهل تفكيك الدوله الأمويه والتخلص منها .

وتضيف المراجع التاريخية ان من الأسباب الرئيسية التى ساعدت على سقوط الخلافة الأموية ، هو مقتل الأمير خالد بن عبدالله القسري البجلي الذى أثار مقتله كراهية القبائل اليمانية للأمويين وأجج نار الفتنه بين قبائل مضر وقبائل اليمن التي كان الأمويين يعتمدون عليهم في كثير من أمور دولتهم ، ومن القبائل اليمانية ؛ قبيلة بجيلة القحطانية .

سجن الأمير خـالد البجلي ثم قتله :

تذكر المراجع إن هشاما حقد على الأمير خالد بكثرة أمواله وأملاكه ، ولأنه كان يطلق لسانه في هشام ، فكتب إلى يوسف بن عمر الثقفي أن سر إلى العراق والياً عليها ، فوصلها يوسف ليلاً ، وفي الفجر دخل المسجد وأمر المؤذن بالإقامة ، فقال : حتى يأتي الإمام ، فانتهره وأقام ، وصلى ، وقرأ (إِذَا وَقَعَتِ وسَأَلَ سَائِلٌ) ثم أرسل إلى الأمير خالد البجلي وأصحابه ، فسجنهم وصادر أموالهم .

ويقول اليعقوبي بتاريخه انه في سنة 120 هـ قدم يوسف بن عمر الثقفي من اليمن ، ووصل العراق في الليل ، فصار إلى المسجد الجامع ، فلما أقيمت صلاة الفجر تقدم الأمير خالد البجلي ليصلي ، فجذبه يوسف فأخرجه ، فصلى يوسف بالناس بعد أن عرفهم نفسه ، وأخذ خالداً وأصحابه ، فعذبهم أنواع العذاب ، وطالبهم بالمال ، فاجتمع جماعة من دهاقين العراق ومياسير الناس ؛ وقالوا : نحن نتحمل هذا المال عنه ونؤديه ، وقيل إن يوسف قبل ذلك منهم ، ثم بعدما حملوا إليه المال طلب خالداً وأخذه ، فألبسه جبة صوف ، وجمع يده إلى عنقه ، ثم أتى به إليه ، فجذبه حتى سقط لوجهه . وخَوف يوسف خالداً وعماله ، ووظف عليهم الأموال ، وعذبهم حتى مات أكثرهم في يده : فوظف على أبان بن الوليد البجلي عشرة آلاف ألف ، ووظف على طارق بن أبي زياد عامل فارس عشرين ألف ألف ، ووظف على الزبير عامل أصبهان والري وقومس عشرين ألف ألف درهم ، وعلى غيرهم ما دون ذلك ، فاستخرج يوسف الثقفي أكثر المال ، وكان بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عامل الأمير خالد البجلي على البصرة ، فهرب من سجن يوسف الثقفي ، فلحق بهشام بن عبدالملك بالشام ، فكتب فيه يوسف إلى هشام فأشخصه إليه ، فعذبه حتى قتله ، وجعل داره بالكوفة سجنا واستصفى داره التي بالبصرة .

ويقول الطبري أن يوسف بن عمر الثقفي عندما توالى العراق بعد عزل الأمير خالد البجلي عنها ، قام يوسف الثقفي بسجن خالد وأخيه إسماعيل وابنه يزيد وأبن أخيه المنذر بن أسد بن عبدالله البجلي ، وعندما علم هشام بن عبدالملك بأمرسجن خالد وأهله ، أمر بالإفراج عنهم جميعاً ، فرحل الأمير خالد وأهله إلى دمشق بالشام وأستقروا بها حتى مات هشام بن عبدالملك في سنة 125 هـ وتولى الخلافة من بعده الوليد بن يزيد بن عبدالملك بن مروان الأموي ، وكان الوليد فاسقاً سكيراً فلم يدم حكمه أكثر من سنة وثلاثة أشهر ، ففي جمادى الآخر سنة 126 هـ قتل الوليد ثأراً للأمير خالد البجلي ؛ بعدما وثبت عليه القبائل اليمانية ومنهم بجيلة ؛ فقال شاعرها خلف بن خليفة البجلي بعد قتل الوليد بن يزيد ؛ ويكنى بأبي العباس :

تركنا أمير المؤمنين بخالد * مكبا على خيشومه غير ساجد

وإن سافر القسري سفرة هالك * فإن أبا العباس ليس بعائد

أقرى معه الهوان فإننا * قتلنا أمير المؤمنين بخالد

وتذكر المراجع إن الأمير خالد قتل بأمر من الوليد بن يزيد ، ففي سنه 126 هـ كتب الوليد بن يزيد (قبل مقتله) إلى الأمير خالد البجلي وهو بدمشق يطلبه بالحضور إليه ، فشاور الأمير خالد أهله وأصحابه بذلك الأمر ، واقترحوا عليه ثلاثة مقترحات لم يكن منها الذهاب إلى الوليد خوفاً عليه من غدر الوليد ، لكن خالد كان عنيداً فأصر على الذهاب إلى مقابلة الوليد بن يزيد ، فعندما وصل إليه طلب منه الوليد أن يسلمه أبنه (يزيد) ، فأنكر خالد معرفة مكان أبنه ، وقال ربما عند أهله بالشراة (بلدة بالشام) ، فأمر الوليد بسجن الأمير خالد ، ثم سلمه بعد ذلك ليوسف بن عمر الثقفي والي العراق بعد الأمير خالد البجلي ، فنقله يوسف إلى الحيرة ، وهناك أخذ يعذبه ويعيره بأمه النصرانية وبجده شق الكاهن ، ثم بعد ذلك قتله . وقيل إن الأمير خالد لبث في العذاب يوماً ، ثم وضع على صدره المضرسة ، وهو في ذلك لا يتأوه ولا ينطق ، فقتل من الليل في المحرم سنة ست وعشرين ومائة (126) ، ودفن بناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها ، فأقبل عامر بن سهلة الأشعري فعقر فرسه على قبر الأمير خالد ، وعندما علم يوسف بن عمر الثقفي ضربه سبع مائة سوط ، وقال أبو عبيدة : لما قتل الأمير خالد البجلي لم يرثه أحد من العرب على كثرة اياديه عندهم وكرمه إلا أبو الأشعث (الشغب) العبسي ، فقال فيه :

ألا إن خير الناس حيا وميتا * أسير ثقيف عندهم في السلاسل

لعمري لقد أعمرتم السجن خالدا * وأوطأتموه وطأة المتثاقل

فإن سجنوا القسري لا يسجنوا اسمه * ولا يسجنوا معروفه في القبائل

لقد كان نهاضا بكل ملمة * ومُعطي اللهى غمرا كثير النوافل

بينما ابن الأثير يقول ؛ ان خالداً لم يكن مع من سجن ؛ وبعد عودته من الصائفة (غزوة الروم) علم عن سجن أهله ، فقال : ما لي ولهشام ؛ ليكفن عني هشام أو لأدعون إلى عراقي الهوى شأمي الدار حجازي الأصل* ؛ وقد أذنت لكم أن تبلغوا هشاماً . وبرواية أخرى أنه قال : أما والله لئن ساء صاحب الرصافة (يعني هشاماً) لننصبن لنا الشأمي الحجازي العراقي* ، ولو نخر نخرة تداعت من أقطارها .

* الأمير خالد يقصد بقوله : محمد بن علي بن عبدالله بن عباس ؛ بمعنى انه سيتخلى عن مساندة بني أميه وينضم لبني العباس .